ابن عربي

239

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

الشرع ، وكيف أقام صور الأعمال على أكمل غاياتها ، قلبيا كان ذلك العمل أو حسيا ، أو مركبا من حس وقلب ، كالنية والصلاة من الحركات الحسية ، فقد أقام الشرع لها صورة روحانية يمسكها عقلك ، فإذا شرعت في العمل فلتكن عينك في ذلك المثال الذي أخذته من الشارع ، واعمل ما أمرت بعمله في إقامة تلك الصورة ، فإذا فرغت منها قابلها بتلك الصورة الروحانية ، المعبر عنها بالمثال الذي حصلته من الشارع ، عضوا عضوا ومفصلا مفصلا ظاهرا وباطنا ، فإن جاءت الصورة فيها بحكم المطابقة من غير نقصان ولا زيادة ، فقد أقمت الوزن بالقسط ولم تطغ فيه ولم تخسره ، فإن الزيادة في الحد عين النقص في المحدود ، وقد قال تعالى : ( لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ ) وهو معنى ( أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ ) ( وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ) وهو قوله : « وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ » فطلب العدل من عباده في معاملتهم مع اللّه ، ومع كل ما سوى اللّه من أنفسهم وغيرهم ، فإذا وفق اللّه العبد لإقامة الوزن ، فما أبقى له خيرا إلا أعطاه إياه ، وترجيح الميزان في موطنه هو إقامته ، وخفة الميزان في موطنه إقامته ، فهو بحسب المقامات ، فالمحقق هو الذي يقيم الميزان في العلم والعمل ، على حسب ما يقتضيه الموطن ، من الرجحان والخفة في الموزون ، بالفضل في موضعه والاستحقاق ، فإن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ندب في قضاء الدين وقبض الثمن إلى الترجيح ، فقال : [ أرجح له ] حين وزن له ، فما أعطاه خارجا عن استحقاقه بعين الميزان ، فهو فضل لا يدخل الميزان ، إذ الوزن في أصل وضعه إنما وضع للعدل لا للترجيح ، وكل رجحان يدخله فإنما هو من باب الفضل ، وإن اللّه لم يشرع قط الترجيح في الشر جملة واحدة ، وإنما قال : ( وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ ) وقال : ( وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها ) ولم يقل : أرجح منها ، وقال : ( فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ ) ولم يقل : بأرجح ( فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ) فرجح في الإنعام [ تنبيه وإشارة : خلق اللّه آدم على صورته : ] - تنبيه وإشارة - جمع اللّه تعالى في هذه السورة قوله تعالى : ( خَلَقَ الْإِنْسانَ ) وقوله تعالى : ( وَوَضَعَ الْمِيزانَ ) فقد خلق الإنسان على صورة الميزان ، وجعل كفتيه يمينه وشماله ، وجعل لسانه قائمة ذاته ، فهو لأي جانب مال ، وقرن اللّه السعادة باليمين وقرن الشقاء بالشّمال ، وأمرنا تعالى في قوله : ( وَوَضَعَ الْمِيزانَ ) أن نقيمه من غير طغيان ولا خسران ، ومن إقامته أن تعلم أن قول اللّه تعالى : [ خلق اللّه آدم على صورته ] فوازن بصورته حضرة موجده ذاتا وصفة وفعلا ، ولا يلزم من الوزن